الثلاثاء، 26 مايو، 2009

حاتم الأنصارى .. المشاهد الأولى


وفقا للفلك " الرابع " من " الفراقد " تأتى هذه التدوينات

(1)

صيف 2004 – العريش

بعد أن حشرت كل ما أستطيع حشره فى حقيبة كتف صغيرة ألقيت بها على ظهرى ، انطلقت مسرعا مع شروق الشمس ، وقفت على المحطة فلا مواصلات ، أوقفت أول سيارة أجره مقبلة ، لحظات من انطلاقها وبدأت ألتقط أنفاسى ، الشارع خاو تماما ، آخر طالب ينزل فى هذا الوقت قد اختفى مع انتهاء امتحانات الثانوية العامة منذ أيام ، لكن هناك شخص ما يجلس على المحطة المقبلة ، يرتدى زيا رياضيا بألوان فاتحة ، ومعه حقيبة بنفس حجم حقيبتى ، قد يكون أحد المشتركين معنا فى المعسكر ، مر بذهنى ذلك ثم ضحكت من هذا الخاطر الطفولى ، فهل كل من ينزل فى هذا الوقت سيعسكر معنا !

وصلت قبل الموعد ، الجميع هنا ، محمد رفعت .. أيمن فرج .. أحمد سمير .. عبدو بن خلدون .. عمرو طموح ، مع أول حافلة تصل نصعد جميعا ، وتنطلق الرحلة ، وتنطلق الأدعية فالأناشيد فالمسابقات فالنائم منا والمتأمل فى صحراء سيناء والغارق فى المرح مع إخوانه ، وما هى إلا ساعات حتى وصلنا لأرض المعسكر، انتظمنا طوابير ، ووقف أمامنا ذلك الرجل الأسمرالصموت الذى يرافقنا من أول الرحلة ، ولا تصدر منه إلا إيمائات فإذا الكل حوله يلبى ويطيع ، إنه القائد شاهين ، أخذ بصوت مجلجل يوجه السرايا وينظم الصفوف ، ويشكل اللجان ، ويشرف على نصب الخيام ، حتى إذا استقر كل فريق فى خيمته ، أطلق صافرته ثلاثا فانطلق الجميع ينتظمون صفوفا تحت لواء المعسكر الكبير ، ومع أول تجمع للجميع اكتشفُ أن ذلك الشخص الذى لمحته فى الصباح معنا فى المعسكر قد وصل فى آخر حافلة .

مع غروب الشمس بدأ الجو يصفو ، واستقر كل فى مكانه ، فخرجت من خيمتى أتفقد المكان ، وإذا به يقف على حدود المعسكر ، يتطلع فيما حوله ، يملأ صدره بالهواء حينا ، ويطرق بعينه إلى المسبحة فى يمناه حينا آخر .
- السلام عليكم
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
- حضرتك ساكن فى الزهراء ، أليس كذلك ؟
- تعرفنى ؟
- لا
- تقابلنا قبل ذلك ؟
- لا أظن
- إذن كيف عرفت ؟
- رأيتك صباح اليوم تقف على المحطة التالية لمحطتى .
- ( اتسعت عيناه قليلا ) ملاحظة قوية ، ( بابتسامة عريضة ) أخوك حاتم الأنصارى ( وكررها ثانية ) حاتم أوس الأنصارى .
- ( مبادلا إياه الابتسامة ) أنا أحمد أبو خليل .



(2)

أول أيام الدراسة – جامعة القاهرة

وطأت قدماى الجامعة فى أول يوم دراسى وأنا على يقين بأننى لن ألقى اليوم أحدا أعرفه على الإطلاق ، قد ظللت أياما أسال كل أصدقائى وزملائى ، ما من أحد أتعسه مكتب الحظ ( التنسيق سابقا ) بالالتحاق بإحدى كليات جامعة القاهرة ، قد كرمنى الله بالفعل بكلية دار العلوم ، لكن المسافة جد بعيدة ، وكلهم ذهبوا لعين شمس .
فوجئت بأن الكلية خاوية على عروشها ، لا محاضرات اليوم ، وإلى نهاية الأسبوع ، هكذا قال لى أحد طلاب رعاية الشباب ، فقررت أن أتجول قليلا فى الجامعة ، نزلت من سلم الكلية وانحرفت يمينا ، خطوات قليلة ، وبرز أمامى بين مجموعة من الطلبة ، لم ينتبه لى ، اتجهت نحوه ، وسلمت ..

- ياه كنت أظن أننى لن أجد فى الجامعة أحدا أعرفه .
- الحمد لله الذى جمعنا على غير موعد مرة ثانية .
- فى أى الكليات أنت ؟
- أنا فى دار العلوم
- ( بفرح شديد ) حقا ، أنا ايضا فى دار العلوم .
- عظيم جدا ، نراك لاحقا .
- !

لم ارتح مطلقا لهذا اللقاء ، فإذا كان من الطبيعى ألا نقضى وقتا أطول فى المعسكر حيث كل فى شغل ، وكل فى سرية ، فمن الطبيعى جدا أن نتقارب بعدما أصبحنا فى الكلية ، ولم يكن هذا هو حال ذلك اللقاء وحسب ، بل ظل هذا الوضع لعامين ونصف العام من هذا التوقيت ، وكان السبب الأول فى عدم التوافق هو اختلاف الوجهات ، فبنقاش حاد بعد أول لقاء ، رأى هو أن العمل والدعوة يجب أن تكون فى كيان قائم بالفعل ، وأن كل من يخالف أو يزاحم هذه الكيانات ساقط من نظره ، لأنه خالف الطريق الواضح ، واتبع الشعاب ، ورأيت أنا أننى لا أدخل فى دعوة أتحمل أخطاء أصحابها صغرت أو كبرت ، فما يضيرنى أن أنطلق بأفكارى ، وأرض الواقع تحتمل الكثير من المشاريع والأفكار .


(3)


منتصف الفصل الأول من الفرقة الثالثة – أتوبيس727

مر على بدء نقاشنا أكثر من نصف ساعة .. من المرات القليلة التى قابلته فيها وتشاطرنا الطريق ، قابلته فى عربة المترو ، وطاف بنا الحديث ، حتى وصلنا إلى المحطة وركبنا حافلة إلى المدينة ، بدأ يتحدث عن فكرة السفر للخارج فور التخرج ، عارضته بهدوء : أنا أرفض هذا المبدأ لأنه يؤخر شيئا أهم .
- ما هو ؟
- ( بشىء من الاعتزاز ) التكوين المبكر للأسرة .
- ( باعتزاز أكبر ) ولماذا التفلسف ، تقصد أن يخطب الفتى طالبا ، ويتزوج بعد التخرج مباشرة .
- ( متحفزا للدفاع عن فكرتى ) نعم بالطبع ، وينخرط الطالب من أول سنة فى الكلية فى سوق العمل كى ..
- ( قاطعنى بهدوء ) ها أنا أخطط للسفر فور تخرجى ، وبالفعل أعمل منذ الفرقة الأولى ، و.. ( رافعا عينه إلى دبلة فى يده الممسكة بماسورة الأتوبيس ) وأيضا خاطب .

وقعت الكلمات الثلاثة المتابعة على وقع الصاعقة ، وفى لحظة واحدة تحول حاتم الأنصارى أمامى إلى ملك كريم كدت أهوى لأقبل يديه ، بل وقدميه ، فقدت وعيى للحظات ، حلم حياتى أن أخطب وأنا طالب ، لم أر شخصا قبلى يعمل أثناء دراسته أصلا ، فظننت نفسى شيئا ، بدى الارتباك على واضحا ، لحسن الحظ أن خلا المقعد الخلفى من الأتوبيس ، فسريعا ارتمينا عليه ، وبدأت لاهثا أسئله ، وأعب من كل التفاصيل التى أستطيع أن أحصل عليها ، عن طبيعة عمله التى خولته فى هذا الوقت القصير أن يخطب ، وفى الوقت ذاته ينجح دراسيا ، لم يتبق غير دقائق ، والرجل يضن بالمعلومة تارة ، ويسخو بها تارة أخرى ، وهكذا حتى انتهى اللقاء ، ونزلت من الأتوبيس أكتب هذه اللحظة فى التاريخ ، وأفرد صفحة أعلقها على حائط مكتبى ، مكتوب عليها :



حاتم الأنصارى
الهدف : المدة
دخول دائرته الأولى : 6أشهر
تحقيق ما وصل إليه : سنة ونصف
التعلم منه : مدى الحياة


فى الحلقات القادمة
بإذن الله
همة وهم - ريشة وقلم - مجون ملتزم - لغة وتنمية - أحلام كندية

هناك 4 تعليقات:

حاتم أوس الأنصاري يقول...

من نعم الله أن أغافل الزمن حتى أكتب، وهو يغض الطرف قليلا ، فهو أيضا يريد أن يشاركنى التعليق!!
أواه أحمدى أصبت من نفسى موضعا يحمل عالما بعيدا لا زلت أعتز بخطواتنا فيه، رويدا رويدا، أذكر جيدا من المعسكر أنك كنت شخصا تستحق الدراسة كبعض من علمت على أسمائهم حينها، ومنهم من سقط من القائمة عند المحطة الأولى أو الثانية وأنت أعرف ببعضهم، لكنك - ومع كل ما كنت أختلف معك فيه كنت مؤثرا فيمن رأيتهم يسودونك ، ولست أنا بالذى يكتب كلمات ليسد بها فراغات النت بل وأكفر بهذا السلوك غير المحترم لعيون المطالعين الثمينة، لكن الحق أنك أحسنت التدوين عن رحلة متقلبة لا أندم على تقلبها بل أشكره أن سمح لكلينا بنا.

غير معرف يقول...

أكيد الفرقد القادم أحمد أبو خليل


احنا منتظرين

وانا اعلم انك تتحدث عن الفراقد فى حياتك انت

ولكن احمد ابو خليل يستحق يكون فى فرقدا

aaahhmd يقول...

احمد مدونة رائعة فوق الرائعة بجد شدتنى اللغة محكمة
المدونة الثانية ممتازة


اخوك احمد


aaahhmd

مطالب العلا يقول...

دائما كنت أبحث داخلى عن الموهبة التى رزقنى الله إياها فلا أجد إلا حس مرهف ، تقليد رسم ، حب الرياضة والفن الشعبى
فأجدها لا تكفينى
(ليه يارب لم تخلق لى موهبة )
فها هو أبجد يخبرنى على لسان أستاذى حاتم أننى أنتمى بالفطرة إلى المدرسة التفكيكية
حقا هذا امر جميل لكن ياه لو كان لدى موهبة فى احدى فنون الادب
فها هو ابجد للمرة الثانية يكننى على لسان شيخى حاتم من خلال كتاباتى (بصاحبة الادب)
واخيرا ابجد يرسل لى هدية مع شيخى حاتم تقوى عزيمتى وهى
لوحة مكتوبة عند خطاط ابجد( حاتم الانصارى) تحتوي على د/علا عبدالله
ياااه حلم عظيم رانى فى ثوبه الفرقد الثانى هنا
جزاك الله خيرا ايها الفرقد اخى واستاذى وشيخى