الأربعاء، 30 سبتمبر، 2009

حاتم الأنصارى .. همة وهم


الواحدة من ظهر الأول من أكتوبر (2009) هى آخر ساعة من امتحانات سنته التمهيدية للماجستير طوال خمسة أيام خلت فى قسم الدراسات الأدبية بكليته دار العلوم ، الساعة ذاتها موعد انطلاق رحلته إلى المملكة العربية السعودية للعمل موجها تربويا ومدربا تنمويا لمدرسى ودارسى اللغة العربية ، الساعة ذاتها موعد وداع حبيبته التى ناضل من أجل حبها وظفرا بدبلتهما من أسبوع واحد فقط .. لا تستطيع ساعة فى الدنيا أن تحتمل كل هذه الطاقة إلا أن تكون .. ساعة حاتمية .

أتى بالفعل فى موعده المحدد ، طمأننى على امتحان اليوم وصولات حبره على ورق الإجابة ، على لقاء الوداع وخلجات نفسه لفؤاده ومالكيه بهذه الأرض ، طمأنته على كتبه التى حزمت وصنفت ما بين علم وأدب ، على القرصات المدمجة التى طلبها فى آخر لحظة ليستكمل تعلم الفرنسية حتى تكون فى مستوى الإنجليزية ، وبرامج الحاسب المطورة لعرض المعلومات ، آه وأخيرا تذكرت دورات مصورة فى ركوب الخيل ، وبعد الانتظار ، فتحميل الحقائب ، فاستلام تذكرة الصعود ، تقف الحياة من حولنا لحظات للوداع .. يقول : أستودعكم الله أحلامكم ..

هذا إذن هو ، وهذه إذن هى ساعة واحدة من حياته ، بكل أبعادها ودقاتها ، نعم إنه يستطيع أن يفعل كل ذلك وأكثر بكثير ، فطوال الفترة التى مضت قبل هذه الساعة لم أتوقع أنه كان يكمل ساعة نوم واحدة فى اليوم ، لم أكن أصدق ذلك منذ ثلاث سنوات ، لكن كيف لى ألا أصدق الآن وأنا أعرف أن له همة لا ينال منها تعب ولا نصب ، ولديه هم لا يقوم به إلا قرقد مثله ، وما عجبت مما يكون منه فى ساعة ، لأننى رأيت ما كان منه فى أربع سنوات خلت ..

ليسانس اللغة العربية وآدابها والدرسات الإسلامية من كلية دار العلوم ، هذه هى الشهادة الجامعية .. ثلاث دبلومات إحداها الثالث فيها على الجمهورية فى الخطوط العربية من مدرسة خليل أغا لتحسين الخطوط العربية ، والأخرى فى التخصص فى الخط العربى والتذهيب ، والثالثة فى البرمجة اللغوية العصبية وعلومها ،وعشرات الشهادات من دورات متخصصة فى التنمية البشرية واللغات ، والحاسب الآلى ، والخطوط ، وتعليم العربية لغير الناطقين بها ، وهذا كله عن الدراسة والعلم .

وكفى بها أن تكون شاغلا للفتى ، يحصل منها حتى ينطلق فى حياته لكنه كان ومع كل هذا يعمل عضوا بلجنة تأليف المناهج بقسم اللغة العربية للناطقين بغيرها بالجامعة الدولية بأمريكا اللاتينية فرع القاهرة ، ومدرسا للخط العربي لغير الناطقين بالعربية بمركزى لسان العرب والديوان لتعليم العربية للناطقين بغيرها ، وخطاطا مساعدا في تدريس دورة الخط العربي في صيف 2007 بجامعة حلوان ، وفي ورشة الخط العربي بمعرض سوزان مبارك لكتاب الطفل لعامي 2007 وَ 2008 ، وخطيبا منبريا طوال هذه الفترة ، ومدرسا خاصا درس لما يزيد عن 40 طالب وطالبة من أكثر من 10 دول مختلفة حول العالم ، وهذا عن العمل بجانب الدراسة .

أما عن القراءة والتأليف ، فلم يسعنى أن أنقل من دفتره الخاص كل كتاب قرأه ، وبجانبه ما استفاد منه ، وما يمكن أن يفيد به ، وكم مرة قرأه ، وأين وضع منه فى شعره أو نثره ، وما أسعده عندما يقدم على قائلا الليلة سأكون عريسا ، نعم عرسه ليس كأعراس الناس ، إنما هو يفض كل بضعة أيام بكارة كتاب هنا أو ديوان هناك ، ويظل طوال الليل يجالسه ويستمتع به ، كأنه عروسه بالفعل ، وترى أثر كهرباء السعادة على وجهه انفراجا ، وعلى عينه اتساعا عندما يقابلك صبيحة ليلة من هذه الليالى .

وظننت أن الأمر يقف عند العلم والدراسة ، والعمل الخبرة ، والقراءة والبحث ، ولكن مع كل هذا فقد ارتضى لنفسه أن يكون إخوانيا يسير فى الصف ، يفتخر بإرث هذه الجماعة المباركة ، ويؤدى دوره فيها بكل تقدير وإجلال ، وفوق كل هذا لم يمنعه عمله هناك من أن يكون وتدا فى نشاط كأبجد نائبا لرئيسه طيلة عامين من عمر الفكرة وتطبيقاتها .

ولا يقف الأمر عند هذا ، وأين يذهب القرآن وحفظه ، والفقه وفهمه ، والشعر ونظمه ، والحب وشوقه ، والخيل وركضه ، عوالم وعوالم ، تسبح كلها فى تسابق محموم فى فلك ذلك الفتى ، تسطع نجوما حول هذا الفرقد ، فلا فترت تلك الهمة ، ولا غيض ذاك الهم .



فى الحلقات القادمة

ريشة وقلم - مجون ملتزم - لغة وتنمية - أحلام كندية

الثلاثاء، 26 مايو، 2009

حاتم الأنصارى .. المشاهد الأولى


وفقا للفلك " الرابع " من " الفراقد " تأتى هذه التدوينات

(1)

صيف 2004 – العريش

بعد أن حشرت كل ما أستطيع حشره فى حقيبة كتف صغيرة ألقيت بها على ظهرى ، انطلقت مسرعا مع شروق الشمس ، وقفت على المحطة فلا مواصلات ، أوقفت أول سيارة أجره مقبلة ، لحظات من انطلاقها وبدأت ألتقط أنفاسى ، الشارع خاو تماما ، آخر طالب ينزل فى هذا الوقت قد اختفى مع انتهاء امتحانات الثانوية العامة منذ أيام ، لكن هناك شخص ما يجلس على المحطة المقبلة ، يرتدى زيا رياضيا بألوان فاتحة ، ومعه حقيبة بنفس حجم حقيبتى ، قد يكون أحد المشتركين معنا فى المعسكر ، مر بذهنى ذلك ثم ضحكت من هذا الخاطر الطفولى ، فهل كل من ينزل فى هذا الوقت سيعسكر معنا !

وصلت قبل الموعد ، الجميع هنا ، محمد رفعت .. أيمن فرج .. أحمد سمير .. عبدو بن خلدون .. عمرو طموح ، مع أول حافلة تصل نصعد جميعا ، وتنطلق الرحلة ، وتنطلق الأدعية فالأناشيد فالمسابقات فالنائم منا والمتأمل فى صحراء سيناء والغارق فى المرح مع إخوانه ، وما هى إلا ساعات حتى وصلنا لأرض المعسكر، انتظمنا طوابير ، ووقف أمامنا ذلك الرجل الأسمرالصموت الذى يرافقنا من أول الرحلة ، ولا تصدر منه إلا إيمائات فإذا الكل حوله يلبى ويطيع ، إنه القائد شاهين ، أخذ بصوت مجلجل يوجه السرايا وينظم الصفوف ، ويشكل اللجان ، ويشرف على نصب الخيام ، حتى إذا استقر كل فريق فى خيمته ، أطلق صافرته ثلاثا فانطلق الجميع ينتظمون صفوفا تحت لواء المعسكر الكبير ، ومع أول تجمع للجميع اكتشفُ أن ذلك الشخص الذى لمحته فى الصباح معنا فى المعسكر قد وصل فى آخر حافلة .

مع غروب الشمس بدأ الجو يصفو ، واستقر كل فى مكانه ، فخرجت من خيمتى أتفقد المكان ، وإذا به يقف على حدود المعسكر ، يتطلع فيما حوله ، يملأ صدره بالهواء حينا ، ويطرق بعينه إلى المسبحة فى يمناه حينا آخر .
- السلام عليكم
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
- حضرتك ساكن فى الزهراء ، أليس كذلك ؟
- تعرفنى ؟
- لا
- تقابلنا قبل ذلك ؟
- لا أظن
- إذن كيف عرفت ؟
- رأيتك صباح اليوم تقف على المحطة التالية لمحطتى .
- ( اتسعت عيناه قليلا ) ملاحظة قوية ، ( بابتسامة عريضة ) أخوك حاتم الأنصارى ( وكررها ثانية ) حاتم أوس الأنصارى .
- ( مبادلا إياه الابتسامة ) أنا أحمد أبو خليل .



(2)

أول أيام الدراسة – جامعة القاهرة

وطأت قدماى الجامعة فى أول يوم دراسى وأنا على يقين بأننى لن ألقى اليوم أحدا أعرفه على الإطلاق ، قد ظللت أياما أسال كل أصدقائى وزملائى ، ما من أحد أتعسه مكتب الحظ ( التنسيق سابقا ) بالالتحاق بإحدى كليات جامعة القاهرة ، قد كرمنى الله بالفعل بكلية دار العلوم ، لكن المسافة جد بعيدة ، وكلهم ذهبوا لعين شمس .
فوجئت بأن الكلية خاوية على عروشها ، لا محاضرات اليوم ، وإلى نهاية الأسبوع ، هكذا قال لى أحد طلاب رعاية الشباب ، فقررت أن أتجول قليلا فى الجامعة ، نزلت من سلم الكلية وانحرفت يمينا ، خطوات قليلة ، وبرز أمامى بين مجموعة من الطلبة ، لم ينتبه لى ، اتجهت نحوه ، وسلمت ..

- ياه كنت أظن أننى لن أجد فى الجامعة أحدا أعرفه .
- الحمد لله الذى جمعنا على غير موعد مرة ثانية .
- فى أى الكليات أنت ؟
- أنا فى دار العلوم
- ( بفرح شديد ) حقا ، أنا ايضا فى دار العلوم .
- عظيم جدا ، نراك لاحقا .
- !

لم ارتح مطلقا لهذا اللقاء ، فإذا كان من الطبيعى ألا نقضى وقتا أطول فى المعسكر حيث كل فى شغل ، وكل فى سرية ، فمن الطبيعى جدا أن نتقارب بعدما أصبحنا فى الكلية ، ولم يكن هذا هو حال ذلك اللقاء وحسب ، بل ظل هذا الوضع لعامين ونصف العام من هذا التوقيت ، وكان السبب الأول فى عدم التوافق هو اختلاف الوجهات ، فبنقاش حاد بعد أول لقاء ، رأى هو أن العمل والدعوة يجب أن تكون فى كيان قائم بالفعل ، وأن كل من يخالف أو يزاحم هذه الكيانات ساقط من نظره ، لأنه خالف الطريق الواضح ، واتبع الشعاب ، ورأيت أنا أننى لا أدخل فى دعوة أتحمل أخطاء أصحابها صغرت أو كبرت ، فما يضيرنى أن أنطلق بأفكارى ، وأرض الواقع تحتمل الكثير من المشاريع والأفكار .


(3)


منتصف الفصل الأول من الفرقة الثالثة – أتوبيس727

مر على بدء نقاشنا أكثر من نصف ساعة .. من المرات القليلة التى قابلته فيها وتشاطرنا الطريق ، قابلته فى عربة المترو ، وطاف بنا الحديث ، حتى وصلنا إلى المحطة وركبنا حافلة إلى المدينة ، بدأ يتحدث عن فكرة السفر للخارج فور التخرج ، عارضته بهدوء : أنا أرفض هذا المبدأ لأنه يؤخر شيئا أهم .
- ما هو ؟
- ( بشىء من الاعتزاز ) التكوين المبكر للأسرة .
- ( باعتزاز أكبر ) ولماذا التفلسف ، تقصد أن يخطب الفتى طالبا ، ويتزوج بعد التخرج مباشرة .
- ( متحفزا للدفاع عن فكرتى ) نعم بالطبع ، وينخرط الطالب من أول سنة فى الكلية فى سوق العمل كى ..
- ( قاطعنى بهدوء ) ها أنا أخطط للسفر فور تخرجى ، وبالفعل أعمل منذ الفرقة الأولى ، و.. ( رافعا عينه إلى دبلة فى يده الممسكة بماسورة الأتوبيس ) وأيضا خاطب .

وقعت الكلمات الثلاثة المتابعة على وقع الصاعقة ، وفى لحظة واحدة تحول حاتم الأنصارى أمامى إلى ملك كريم كدت أهوى لأقبل يديه ، بل وقدميه ، فقدت وعيى للحظات ، حلم حياتى أن أخطب وأنا طالب ، لم أر شخصا قبلى يعمل أثناء دراسته أصلا ، فظننت نفسى شيئا ، بدى الارتباك على واضحا ، لحسن الحظ أن خلا المقعد الخلفى من الأتوبيس ، فسريعا ارتمينا عليه ، وبدأت لاهثا أسئله ، وأعب من كل التفاصيل التى أستطيع أن أحصل عليها ، عن طبيعة عمله التى خولته فى هذا الوقت القصير أن يخطب ، وفى الوقت ذاته ينجح دراسيا ، لم يتبق غير دقائق ، والرجل يضن بالمعلومة تارة ، ويسخو بها تارة أخرى ، وهكذا حتى انتهى اللقاء ، ونزلت من الأتوبيس أكتب هذه اللحظة فى التاريخ ، وأفرد صفحة أعلقها على حائط مكتبى ، مكتوب عليها :



حاتم الأنصارى
الهدف : المدة
دخول دائرته الأولى : 6أشهر
تحقيق ما وصل إليه : سنة ونصف
التعلم منه : مدى الحياة


فى الحلقات القادمة
بإذن الله
همة وهم - ريشة وقلم - مجون ملتزم - لغة وتنمية - أحلام كندية

الأربعاء، 24 ديسمبر، 2008

حاتم الأنصارى .. المشاهد الأخيرة

وفقا للفلك " الرابع " من " الفراقد " تأتى هذه التدوينات

(1)


ليلا – منذ ثلاثة أشهر – أسفل مسكنى

- الرجل السعودى حدثنى ثانية
- أى رجل ؟
- ذلك الذى يطلب منى أن أعمل لديه فى الرياض
- نعم ، تذكرته ، هل قبلت ؟
- فى الحقيقة عرض على نصف المبلغ الذى أريد محصِّـلته بعد عامين لدراسة الماجستير فى كندا أو أمريكا .
- أفهم من ذلك أنك لم تقبل !
- قلت له سأرد عليك بعد يومين
- وسترد بالرفض !
- طبعا ، لا يمكننى تحت أى حال من الأحوال أن ..
- ( قاطعته ) ، لم لا تخبره عن طموحك هذا ؟
- بمعنى ؟
- قل له أنا أطمح لتحصيل ضعف المبلغ ، وأرسل له سيرتك كاملة ، عله يحمِّـلك من الأعمال – عنده – ما يضاعف به راتبك ، أو يجد لك عملا مصاحبا يصل بك إلى نفس الراتب جنبا إلى جنب مع عملك له .

---

ما أيسره من موقف لو كنت وافقته ، وسكت ، وفرحت بمقعده جوارى ولو بعض حين ، وما أقساه من موقف إذ أسلمه السكين وأقول : يا صاحبى افعل ما تطمح ، ستجدنى إن شاء الله من الصابرين ، على فراقك ، على وحدتى ، افعل ما يجب أن يفعله رجل مثلك .

(2)

عصرا – أمس – أسفل مسكنى

- أخيرا يا حاتم ، ستسافر الليلة ، منذ الثلاثاء الماضى وأنت على سفر ، ويقدر الله فى كل مرة أن تؤجله هذه الورقة أو ذلك التصريح ، واليوم ..
- ( بانقباض ) واليوم قدر الله ذات التقدير .
- ( باندهاش ) لا تقل ، ماذا حدث ، لم تحصل على تصريح العمل ؟
- ذهبت مبكرا ، وظننت أن ينتهى فى ساعة أو اثنتين
- قد حذرتك ، لم حجزت الطائرة الليلة وأنت على حرف ؟
- أخبرنى الموظف أن أطلبه " مستعجلا " لظروف السفر ، واعتمد الضابط ذلك ، وصار أمامى ثلاث ساعات على استلامه .
- إذن حدثت مشكلة فى مصاريف صدوره .
- حدثت ، حتى اضطررت إلى استبدال مائة ريال بمائة جنيه فقط ( ضحك ضحكة خفيفة ، ثم استمر متأثرا ) لكن الموظف أخرنى ثامية إلى الرابعة .
- أواه من هذا الروتين ، هو ثانى أكبر آفة فى تلك البلد بعد الـ ..
- نعم ، هو ذاك ، عطلتنى الآفة الثانية ، وأوقفتنى الأولى تماما !
- ( فى صدمة عنيفة ) الأمن !
- ( تابع فى هدوء ) أخيرا نادى الموظف : حاتم الأنصارى ، أوراقك لم تمر من الفرع الأمنى ، راجع اقرب فرع لأمن الدولة فى منطقتك ، قد يستغرق الأمر أسبوعا أو شهرا أو أبدا .
- ( ضحكت ضحكة قاسية ) الأمن ثانية ، يستأصل أحلامنا ، أفرادا وجماعات ، وما " أبجد " منا ببعيد !

وصلنا ساعتها إلى آخر شارع فى مدينة الزهراء الذى يشرف على صحراء ممتدة من مدينة نصر ، سرحت فى الصحراء وأخذت أتذكر ما حدث لأبجد ، وانطلق هو فى الحديث عن الخطط البديلة بشكل لا واعى ، بقاء فى مصر .. مستحيل ، هجرة غير شرعية .. من الممكن ، لا أولا أهاتف الرجل السعودى الآن ، وأشكره على تحمله لى كل هذه الفترة ، وأعتذر له ، أعرف أنه لو صدر لى التصريح بعد أسبوع لن يكون مجديا ، لكن كيف سأقضى بضعة أشهر أخرى فى هذا البلد ، هل نفتح ذلك المركز لتعليم اللغة العربية يا أحمد .. أحمد هل أنت معى ؟

- لا لست معك .. أنا مع أن تتجه إلى بيتك حالا ، ترتدى بذلتك الأنيقة السوداء ، تحزم حقيبتك ، تودع أهلك وتنطلق إلى المطار ، تعبر البوابة بكل هدوء ، قد تمر ، وقد تمنع فتهاتف السعودية وتخبر الرجل بأنك بذلت كل ما يبذل ، وتعود لتروى القصة لأهلك وأصدقائك ، عندها فقط يمكننا أن نتحدث عن المرحلة المقبلة ، وقبل ذلك لا تضع أيه سينارويهات .

استمع إلى طرحى بشىء من التعقل ، ولأن الموقف لا يحتمل الخسارة فوق ما وصل إليه ، ولأن الأمر كان أشبه بتمثيلية " بيضاء " ، حبكت كل عناصرها ، فقد وافق بالفعل ، وانطلق إلى بيته يحضر حقيبته التى سيتركها عندى لأن ليس لها دورا مهما فى " التمثيلية " ، فإن احتاج لها ألحقها به ، وانطلقت أنا إلى البيت أنتظر مكالمته .

وفى أقل من ساعة تم إعداد كل شىء ، وبعد 4 دقائق من رنة واحدة على هاتفى وصلت لأول شارعه ، قابلته مبتسما ، رأيته مرتسما ، ببذلته السوداء ، وقميص ناصع أبيض ، ربطة عنق فيها اللونين معا ، لمعة عينيه من خلف النظارة ذات الإطار الأسود الدقيق ، وبسمة شبه حائرة ، سلمت عليه بمقدار ما يسلم الرجل على مفارقه لسويعات ، كانت الشمس قد أخذت فى المغيب ، تسلمت منه الحقيبة وحثثته على الانصراف كيف لا يتأخر ، انطلق مسرعا لا يحمل فى يده إلى حقيبة الحاسب الشخصى وبها أوراقه كاملة ، وانطلقت أنا للبيت .

(3)

الأحد 24/5/2009 – 08:30 مساء
أى بعد أن فارقنى بساعة ونصف الساعة ، أسمع صوته على الهاتف : أحمد ، فى الحقيقة أنا عديت .. آه فعلا عديت الحمد لله ..
- ( فى فرحة عارمة ) هل تحلم ، أقصد هل أحلم ، قل لى بالفعل أنت هناك؟ ، أنت حر الآن ، لن تشرق عليك شمس مصر غدا ؟
- بالفعل ، أنا أحاول أن أستوعب الأمر حتى الآن ، صحيح ، سأحاول أيضا أن أسأل كيف يمكن أن تصل إلى الحقيبة .. أمامى بعض الوقت ، سأنطلق فى تمام الثانية عشرة .
- حسنا سأتابعك سأتصل بك بعد قليل لأعرف الأخبار ، مرحا يا صاحبى مرحا .

انتهت المكالمة ، وما إن أغلقت هاتفى حتى زالت عنى نشوة المفاجئة ، وانقشعت سحابتها عن أمر مؤلم ، غاية الإيلام ، لقد سافر ، سافر بالفعل ، من غير أن أودعه ، من غير أن أضمه ضمة تبقينى شهورا أو أعواما على قيد الحياة ، لم يكن الأمر برمته إلا تمثيلية ، وها هى قد تحولت إلى واقع ، فرح لأنه سافر ، لأن الله اختارنى كى أكون سببا لذلك ، فى التفكير وفى التدبير معا ، صعق لأنه رحل وراحلتى معه ؛ فلطالما انتظرت طويلا تلك اللحظة التى يخبرنى فيها أن طائرته بقى عليها من الوقت أياما أو ساعات ، حتى أتهيأ ، حتى أخرج روحه من جسدى رويدا رويدا ، نزعا خفيفا ، أكتب عنه فتخرج ، ألقى عليه ذكرياتنا فتخرج ، لكن فقده يأبى إلا أن يأتى فجأة ، وها هو قد ذهب ، وآن للذكريات أن تخرج لتبقى ..



فى الحلقات القادمة بإذن الله

المشاهد الأولى - قلم وريشة - همة وهم - مجون ملتزم - لغة وتنمية - أحلام كندية

الأحد، 17 أغسطس، 2008

محمد رفعت .. ( أكشن .. بسم الله ) !


بعد التفتيش وأخذ البطاقات ، والتأكد من أننا لا نحمل لمحمد سلاح نيدو الذرى أو جوابات الجمرة اللئيمة ، دخل ثلاثتنا ( رضوى وأحمد سمير وأنا ) إلى داخل سجن طرة ننتظر سماع اسم رفعت فى قائمة الزيارة التى بدأت تطول قبل أن تقوم رضوى وتحاول أن تسأل هل اسمنا فى الزيارة الأولى أم علينا الانتظار للزيارة الثانية ، وإذ بحنجرة الشاويش تجهش بالصوت : حاضر محمد رفعت .. أيوه حاضر بنصحيه لسه ، وعلى الرغم من أن رضوى عادت بابتسامتها المعهودة إلا أننا بهتنا .. هناك زيارة تنتظرة وهو ما زال يغط فى النوم ، لكن رضوى أزاحت عنا سحابة العجب هذه وقالت : آه زمانه هيقعد يقول منكو لله صحيتونى من النوم .. إيه اللى جابكم بدرى !!!

استسلمنا للأمر الذى لم يطل كثيرا حتى وجدنا أنفسنا فى وسط قاعة تغط ( تزدحم ) بأشكال غريبة من الناس ، عرفنا بعدها أن هؤلاء هم حضرات المجرمين نزلاء السجن ( قتل وسرقة واغتصاب ومخدرات .. إتجار فقط التعاطى ليس جريمة ) ، ومن بين هذه الوجوه التعيسة إذا ببسمة صافية تهل علينا من وجهه الصبوح وزراعان مفتوحان بلاحدود لبطلة العرض اليومى - رضوى - يتبعها أنا وسمير .

جلسنا بين أصوات السجناء والأهل المتعاليه ، ونظرات وآذان المخبرين ، نحاول أن نسترق لحظات ودقائق للحديث فى خصوصية ، لم أكن متأكدا من أن رفعت سيمع كل ما أريد ، لم أكن متأكدا أيضا من أننى سأستطيع سماع كل ما يقصه علينا من مغامراته خلف القضبان ، كل ما كنت متأكد منه أن عيناه بعيدتا المهوى سوف تصحبنى إلى حيث لا أستطيع الكلام ، لذا قررت أن أحدثه بما يقويه لا بما يشجنه ، قلت أخبره بالذى فعلناه مع جيان ( فريق إعلامى يشارك فيه مع بعض زملائه فى كلية الإعلام ) فى يوم التصوير ، قد كان ينتظر هذا اليوم طويلا هو وشلبى ، ولكن كان على الانتظار حتى تفرغ منه رضوى ، لأتذكر أنا خلال هذه الدقائق كيف كان أول يوم تصوير لنا .


برنامج


جئت مبكرا على غير العادة ، بقى على صعود الشيخ عبد الستار المنبر أكثر من ربع ساعة ، وصلت إلى الصف الثانى وهممت بالتكبير ، وإذا بى ألمح - على غير العادة ايضا - محمد رفعت يجلس قبلى فى الصف ، وإذا به - على غير العادة ايضا - يقوم تو ما رآنى مستبشرا ، ويهمس فى أذنى : عايزك بعد الصلاة .

وما الجديد فى هذا ، بعد كل صلاة بالطبع نقف سويا ونتحدث ، لماذا هذه المرة ينبه على ، شىء جلل جعله يقاطع تكبيرتى للإحرام ليخبرنى بذلك ، تقريبا أنا أعرف ما الذى يريده ، ولكن دعنا نرى ، كل هذ الأفكار دارت بخلدى ولم أستطع أن أخشع فى ركعتى تحية المسجد .

بعد الخطبة والصلاة كانت توقعات الموضوع الذى يريد أن يحدثنى به رفعت قد اختمرت فى رأسى ، فبالتأكيد هى فكرة إعلامية وبالتأكيد لها علاقة بالشباب ، وبالتأكيد فيها جدة فى الطرح ، وبالتأكيد قد بدأ يشعر بها مع انتهاءه من سنة كاملة فى كلية الإعلام ومع اقتراب موعد أول إجازة صيف له فى الكلية ، وبالتأكيد .. آه ، هاو هو قد أتى ، ها هو يعاجلنى فى الحديث .

- بص يا أبو خليل أنا كان عندى فكرة

- برنامج

- آه بالضبط عن الشباب وكده ، بس

- بطريقة جديدة

- آه وفريق العمل ، أنت

- أولهم ؟

- لأ وسعت معاك ديه .. تالتهم ، أحمد شلبى ، وأنا وأنت .. هنكون مع بعض بإذن الله فى .. قلب الجامعة

بعد حوالى شهرين وفى أحد أركان الصالة المفتوحة فى الدور الثالث بكلية اقتصاد وعلوم سياسية - حيث مأوى من لا مأوى لهم من نوابغ كلية إعلام ودار علوم وغيرها ممن لا تتسع أماكن كلياتهم لهم - وقف محمد رفعت بجانب كاميرا فيديو صغيرة يقف خلفها أحمد شلبى وعلى بعد أمتار منها أقف أنا فى حالة استعداد لأول تجربة فى أداء نشرة شبابية تخرج للعالم العربى ، ها هو رجل الكاميرا ( أحمد شلبى ) قد ضبط صورته ، وعدل من وضعى أكثر من مرة حتى أخذ الهيئة المرضية عنده ، وها هو المخرج ينظر من بعد ومن قرب ، ثم يقف معتدلا ليأخذ نفسا عميقا قبل أن تنطلق منه " أكشن " ، لكن كلمة أخرى طرقت أذنى غير تلك التى تعودت على سماعها فى الأعمال الدرامية والإعلامية الأخرى ، كلمة سمعتها مرارا فى كل موضع ، وبكل مكان ومجال إلا هنا ، إلا فى موقفنا هذا ، نطق محمد رفعت وقال : 3 .. 2 .. 1 .. بسم الله .

لم تكن مجرد عملية استبدال كلمة " أكشن " بكلمة " بسم الله " عملية لفظية فقط ، ولكنها كانت تعكس عمق ما لدى رفعت من قناعة ورؤية واضحة لتغيير شكل الإعلام لصالح الرؤية الحضارية الإسلامية ، فقد كانت هذه العملية - على رمزيتها - مفتاحا حقيقيا للولوج إلى قلب هذا العالم عند محمد رفعت ورفيق دربه أحمد شلبى .


---

الوقت بدأ ينفذ منا مرت نصف ساعة وأنا صامت لا أتكلم ، ولم يكن المتحدث الأول فى الجلسة هو رضوى أو حتى أحمد سمير بل كان رفعت نفسه ، حيث أخذ يروى علينا يومياته داخل المعتقل ، ومواقفه مع المجرمين والمخبرين والحرامية ، أحيانا كان شراع سفينه يحاول الوصول إلى شواطىء عينى ولكن سرعان ما تأتى الرياح المعاكسة لتبعدها عنى فأصمت ويصمت .

لكننى استطعت أن أخبره بأشياء أخرى ، أخبرته بأن الأمور على ما يرام ، أخبرته بأن يوما آخر من التصوير كنا فيه أنا وشلبى فقط ، لم نكن فى ركن من صالة كلية ، كنا فى استوديو حقيقى نصور خلف " كرومة خضراء " ، يتحامل شلبى على نفسه من قلة النوم ، وما به نوم ، وأتحامل على نفسى من قلة الجوع وما بى جوع ، وتمر ساعة واثنتين وثلاث ، ونفرغ من التصوير .. تنطفىء الإضاءة .. تغلق الكاميرات .. ينصرف المؤدون .. أمسك بيد شلبى ونخرج سويا ، تتلمس أرجلنا الرصيف المؤدى إلى الطريق العام ، نحس باحتياج شديد .. لا إلى النوم .. لا إلى الطعام .. أخبرته أننا كنا فى احتياج شديد فعلا .. لكن إلى .. البكاء ، إلى .. العناق ، إلى طعم الفرحة بنجاح ثلاثتنا .. إليك .. إلى مخرج يسمعنا فى بداية كل مشهد .. 3 .. 2 .. 1 .. بسم الله .

فى الحلقات القادمة بإذن الله
حب - اعتقال - براءة

محمد رفعت .. الباشمواعلامى



أدلف إلى الشارع الكائن به منزله فى صباح السادس عشر من أغسطس ، على موعد معه ، ولكن ليس بعد خطوات ودقائق ، ولكن بعد أميال وساعات ، وما إن اقتربت من منزله حتى رأيت ثالثنا الذى لم أكن متأكد من أنه سيرافقنى إليه فى هذا اليوم ، ولكنه كان .. يستقبلنى بوجهه الباش دائما ذو الشعر الأليل ( أى : الشديد السواد كالليل ) الكثيف واللحية الأنيقة الخفيفة والنظارة التى لا تفارق وجهه فتضفى عليه سمتا من الوقار المحبب لنفسى .

لقد تعارفنا أنا و أحمد سمير لأول مرة عندما كنا فى الصف الأول الثانوى فى مدرسة عبد العزيز السيد الثانوية ، ولم تلبث علاقتنا حتى تطورت وأصبح صاحبى الأثير فى هذه المدرسة قبل أن يفصل بيننا علمى علوم وعلمى رياضة ، وفى هذه الأثناء كنت قد بدأت أتردد على زاوية الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد وألاحظ محمد رفعت ، ولكن مع أول مرة جاء معى أحمد سمير عرفنى عليه حيث كان له صاحبا من قبل ، وأصبح ثلاثتنا فى تلازم لفترة طويلة .

دارت فى رأسى كل هذه الذكريات عندما رأيته يقف تحت بيت رفعت ينتظرنى ، وما إن انضممت إليه حتى أصبحنا ننتظر نحن الاثنين رضوى رفعت ، التى ما لبثت أن علمت بوصولنا حتى خرجت إلينا تعلو شفتاها بسمة الأمل والتفاؤل التى لم تفارقها منذ اعتقال أخيها ، وتستقر فى عينيها نظرة العزم والثقة بأن الله ناصره ، وتحمل نفسها همة لا تكل من حمل تلك الحقيبة كل يوم وعلى مدار ما يقرب من شهر والذهاب بها إلى حيث يقبع فى سجن " ليمان طرة " ما بين زيارة وطبلية ( إذن لدخول غذاء يومى للمعتقلين ) .

انطلق ثلاثتنا فى السيارة التى كانت تنتظر تحت البيت ، أخذنا نتجاذب أطراف الحديث ، ولا يحدوها إلا أمل واحد أن تكون زيارتنا اليوم هى الزيارة الأخيرة ، أما أنا وسمير فقد أخذنا نتذكر الأيام الخوالى ، خاصة أننا لم نعد نتقابل كثيرا بعدما فرقتنا الكليات بل والجامعات أيضا ، وما أن جائت سيرة الكليات حتى قلت :

- قد كنت أغبطكم لأنكم جميعا ذهبتم إلى عين شمس ، وأنا الوحيد الذى ذهبت إلى القاهرة .

- قد كنت نعم ، ولكنك الآن لا .

- نعم فعلى الرغم من أن رفعت فقط هو الذى حول ، وبعد سنتين أيضا ، إلى أنه قد عدل ما كان من صحبة الباقى ، خاصة مع وجود عبدو بن خلدون وعمرو طموح فى سياسة واقتصاد .

- نعم ، ولكن قد دهشنا فعلا من هذا التحول ، من كان يظن أن رفعت الذى طار من الفرح عندما وصلت أخبار النتيجة إلينا ليلا فى معسكر العريش ، ورفض تماما أن يناديه أحد من ليلتها باسمه مجردا تذكر : اسمى الباشموهندس محمد رفعت يا بنى آدمين .. انت ياد أنا الباشمو .. الباشمو رفعت .

تبادلنا قليل من الضحكات قبل أن أعود لشرودى و أسرح مجددا فى هذه الأيام .


جامعة

لم أصدق عينى عندما رأيت رفعت لأول مرة فى جامعة القاهرة ، تقابلنا هكذا صدفة ، كنا قد تناقشنا من قبل فى موضوع تحويله لإعلام ، وعلى الرغم من أننى كنت متحمسا إلى أقصى درجة لهذا التوجه من قبل أن يدخل هندسة أصلا ، إلى أن يأسا طاغيا كان يخامرنى من أنه لن يستطيع أن يقفز على كل الموانع الطبيعية والصناعية التى الموضوعة أمامه ، فحلمه القديم ، أو فلنقل الحلم الامع والمزيف فى آن لهندسة ، والذى يكسب بريقه ولمعانه من سطوة المجتمع ، ونظريتهم العجيبة فيما يسمى بـ " كليات القمة " وأيضا كونه أمضى سنتين فى كليته هذا ، وأى تحويل سيأخر من سير حياته عامين بأكملهما ، وعامين بالنسبة لأمثاله ليست بالشىء الهين ، أيضا كون والده مهندسا ، وأنا أعلم جيدا شعور الأب المهندس أو الدكتور عندما تظهر نتيجة الثانوية العامة ولا يرقى ابنه إلى طب أو هندسة ، فما بالكم بمن يرغب ابنه عنهما بإرادته ، وهذه نقطة لا تحسب إلى محمد بقدر ما تحسب إلى عمو رفعت فبقدر ما كان معراضا لهذه الخطوة بقدر ما كان فى غاية الاحترام لرغبة ابنه وما رباه عليه من استقلالية فى أخذ الحكم ، ولا أقول استقلالية فى الرأى والفكر ، فإنه فعلا يناقشة ويعارضة ويفكر معه ، ولكن عند اتخاذ القرار يمنحه هذه الثقة الغالية ، التى جعلت من دخوله الإعلام أمرا ممكنا ومن حصوله على امتياز وترتيبه على الدفعة فى أول فصل فيها أمرا محققا .

ولكن بعد فصل واحد من الإعلام بدأ رفعت يعلم أن الكلية ليست اتجا واحد - كما فى هندسة - وأن الدراسة لن تعطيه أكثر مما تعطيه الحركة والممارسة ، كما هو حال كل الكليات ما عدا ما يسمونها بالقمة ،وبدأنا مبكرا نصيغ بعض الأفكار والأطروحات ، ونضع بعض الآمال والطموحات ، وأمده بما تراكم عندى من مجلات وكتب عن الإعلام ، وما خاض قبلنا من الإسلاميين فى هذا المجال ، حيث كنت دائما أرى أن المضمون والمحتوى الرائع لدار العلوم هو صنو للشكل والوسيلة الفاعلة والجذابة لكلية الإعلام ، وإذا أضيف إليهما ومضات الفكر الحضارى والعمل النهضوى المنبعث من اقتصاد وعلوم سياسية يكون قد بلغ الذروة .

---

أخيرا وصلنا إلى طرة ، صحيح أننا وصلنا فى الساعة التاسعة لكنك لا ولن تعلم فى أى ساعة بالضبط ستتمكن من الدخول لرؤية من جئت لزيارته ، التوقعات مفتوحة من ساعة إلى خمس ساعات انتظار هكذا قالت رضوى ، وهكذا بدأت تتفقد الأشياء التى أحضرتها فى الحقيبة قبل أن ندخل ، هذا كتاب طلبه ، وهذا ( الجل ) الذى بدونه لن يبدوا وسيما غدا أمام عرض النيابة ، وهذا ( تايمر المروحة ) يا إلهى قد نسيته ثانية ، وهذا بالطبع الغذاء ، وهذا الخبز المحشى برسائل و جوابات من أصدقائة وزميلاته حيث يمنع للسياسيين الخطرين أمثاله دخول أو خروج أى رسائل لهم !

كنت قد زورت ( أى حضرت وراجعت ) فى نفسى كلاما كثيرا أود قوله لمحمد ، لا أعرف أيذهب كله فى المواساه أم يضيع جله فى الشكوى ، لا أدرى أحاله أفضل ، أم لحالى أرثى ، لم أكن على يقين من أنه يسمع منى كل ما أريد ، أو أننى سأقول كل ما عندى ، لم يكن عندى يقين إلا بشىء واحد ، هو أننى سأرتمى فى أحضانه العميقة ، وتسافر عيناى فى عينيه خارسات الأدمع ، تحكيان فى صمت ما لايباح به هنا ...

فى الحلقات القادمة بإذن الله

برنامج - حب - اعتقال - براءة

السبت، 16 أغسطس، 2008

محمد رفعت .. بين المرح والثورة


وقفنا على آخر نقطة نستطيع أن نصل إليها أنا وأسامة الرشيدى نودع أحمد شلبى قبل أن ينطلق إلى الأراضى الحجازية ، نودعه فى غبطة على شهر رمضان الذى سيقضيه بحال أفضل من حالنا عشرات المرات ، ولا نعرف هل أيضا الذى سيستعد لرمضان وهو داخل زنزانته سيكون حاله أفضل منا ، وسنغبطه يوما من الأيام على هذا أم لا .

بدأت الشمس فى الغروب عندما أخذنا نشق طريق العودة نتجاذب أطراف الحديث فى حافلة تقلنا إلى التحرير .

- وانت أصلك منين بأه .. أنا شرقاوى .

- وأنا اسكندرانى .

- ياه اسكندرية ، وهل أهلك سكنون هناك الآن ؟

- لا ، فوالدى يعمل فى الإمارات .

- إذن وتحرمنا من ضيافتنا ليومين أو ثلاثة على البحر .

- كنا على وشك أن نفعل هذا ، لولا موضوع رفعت ، لكن أنا مازلت عند وعدى ، عندما يخرج قريبا سنذهب جميعا ليومين .. مصيف


مصيف


مع بداية أول أجازة صيفية بعد دخولنا الجامعة لم نأخذ الكثير من الوقت فى التفكير بمصيف لعدة أيام يعيد لن ما فقدناه من فرقة الكليات بيننا ، أنا دار علوم ، ورفعت هندسة ، وسمير طب ، وكل من كانوا على صعيد واحد فى معسكر العريش ( طلبة فى ثانوى ) ، أصبح كل واحد منهم فى واد ، ولا نلتقى إلا قليلا .

الساحل الشمالى كان وجهتنا ، بالنسبة لى البحر هو متعتى ، وبمجرد النظر لا أكثر ، أما المرح فالبطبع محمد رفعت هو مرحنا ، وبمجرد أن يبدأ فى طور التهييس ، الاسكتشات التقليدية التى من الممكن أن تكون قد رأيتها قبل ذلك لها مع رفعت طابع خاص ، حتى ولم تكن من تأليفه ، وياويل من يمثل تحت رحمة محمد رفعت ، لأنه لن يسلم قفاه من " الطرقعة " ، مثلا اسكتش يكون فيه إبليس واثنين من الشايطين يوزون أخ يصلى ليخرجونه من الصلاة ، ويبدأ إبليس فى توجيههم " الوسواس على أصوله " ، لكن عندما يكون رفعت هو إبليس فإن الشياطين لا تهرب من ذكر الله أكثر مما تهرب منه ، خوفا على قفاها .

وكما أن رفعت كان له لحظات يقف فيها مع نفسه فى " الاعتكاف " فإنه أيضا لا يعدم أن يجد أخرى فى عز التصييف كى يقف أمام البحر ، ويسرح بخياله ، وتلمع عيناه وهو يردد أذكار المساء .


مظاهرة

لا تظهر مواهب رفعت فى المرح فقط ، بل يضا فى أعز أوقات الثورة ، وبحكم أننى انفصلت عن رفعت سنتين كنت فيها فى دار علوم القاهرة وهو فى هندسة عين شمس ، فلم أشهد مع رفعت معظم المظاهرات الجامعية ، ولكن بما أننى ضيف دائم على مظاهرات الجامع الأزهر فقد رأيته فى إحدى المرات ، يصيح بالهتاف كعادته ، كانت مظاهرة من أجل غزة ، ولكن جديد رفعت لم يكن الهتاف ولا الشعارات بل كان قمة فى العمل " التهييسى " ، المرح مع رجال الشرطة .

لقد كانت مظارهة ضخمة ، وكان عدد رجال الأمن والمخبرين المتخفيت فى زى مدنى كبير جدا حتى يستطيعوا السيطرة على المتظاهرين داخل المسجد ، بدون إحداث قلاقل ، وعندما انفضت الحشود ، وفجئنا بأعدادهم الكبيرة تستقل سيارات الأمن المركزى ، رفعت ترك الرصيف وسحبنى من يدى ، وأخذ يهرول كما يهرولون داخل صفوفهم متوجها إلى سايارات الأمن المركزى ، وتصور نفسك وأنت تسير برجلييك وحولك عشرات من جنود الأمن المركزى والمخابرات ، والأدهى من ذلك أنه لم يكتف بهذا ، بل حاول فعلا ركوب السيارة ( سيارة الأمن المركزى ) ومع دخوله على الباب سأله الضابط : انت يا بنى رايح فين ؟

- أصل حضرتك احنا كنا فى مظاهرة مع بعض والناس بتركب ، وأنا عايز أروح .

- الضابط مبهوتا يحاول أن يفهم ما الذى يقوله رفعت وهل هو عبيط أو بيستعبط : آه بس احنا مش فى سكتك .

- لا يا باشا ما تقلقش أنا سألت السواق قالى إنه رايح عند السابع كده ، رفعت بصوت مرتفع : مش كده يا رجاله البتاع ده بيعدى على السابع ؟

تنفجر العربة كلها بالضحك من العساكر الغلابة ، والنظرات الحادة من المخبرين والضباط ، قبل أن ينفد صبر الضابط صائحا :

- يا بنى روح اركب أتوبيس ، صحيح دول حضروا معاك المظاهرة بس انت مش معانا .

- آه فهمت .. يمشى خطوتين .

- بس حضرتك ديه مكتوب عليها حكومة ، والأتوبس برضه مكتوب عليه حكومة ، ولا يعنى فيه حكومتين فى البلد .

وقبل أن ينطق الضابط بكلمة ، أو يحاول خلع حذائه وركله فى وجهنا ، كان صبرى قد نفذ قبله من تهييس رفعت الذى فاق كل الحدود ، ولكن الله قد كتبها له بعد ذلك ، ولم يحرم من توصيلة " عربية الترحيلات " .
فى الحلقات القادمة
بإذن الله
جامعة - برنامج - حب - اعتقال - براءة

الأربعاء، 13 أغسطس، 2008

محمد رفعت .. فى وداع شلبى

وفقا لما جاء من بنود فى الفلك الرابع من الفصل الخامس من الفراقد تأتى هذه التدوينة



الإثنين 11 / 8 ، استعد حذو آذان العصر للنزول ، أستقل سيارة تنادى لأول مكرم ، أمر على حديقة الطفل فأتذكر لحظات فى وجهه يكون فيها طفولى ، بعينين صافيتين ، وبسمة واسعة ، لا يسعك إلا أن تقابلها بمثلها مهما كانت همومك ، من المفروض أن نتقابل بعد عشر دقائق ، هل سيخالف قواعده ويأتى فى موعده هذه المرة ، لا أظن ، هل سأقف وآراه من بعديد فأوقف الميكروباس حتى يهرول إلى عقابا له على تأخره ، كآخر مرة ذهبنا فيها سويا إلى هذا المكان ، لكن هذه المرة لم أنتظر ، لا طويلا ولا قليلا ، لأننى أعلم لو ظللت قابعا فى مكانى لأيام فلن يأت معى ، يجب أن أذهب وحدى الآن ، وإلا تأخرت ، ويضيع على وداع صاحب آخر لى .

لم تلبث السيارة أن جاوزت النادى الأهلى حتى بدأت تنتشر أيمن عينى منظر رمال الصحراء الذى يُنطق الذكريات الخرس ، ويستنفرها فإذا هى خيل بريه ، أو أتن وحشية ، تركض على رمالها الناعمة حينا ، والقاسية حينا ، والتى هى فى كل الأحوال دافئة جدا ، بل ساخنة جدا .


معسكر

من المكان الذى قضى فيه محمد رفعت صباه وشيئا من فتوته ، من مدرسة الرضوان بالحى السابع التى قضى فيها سنوات عمره الدراسى ، التى أصبح فيها " نجم " المدرسة ، يعرفه الفراش قبل المدير ، والأستاذ قبل الزميل ، من أمام المدرسة تنطلق حافلة رحلات تقلنا إلى معسكر الشباب بالعريش ، زملاء يعرفهم ، وآخرون لا يعرفهم ، معسكر ضخم يضم طلاب السنوات الثاناوية المتميزين من كل إدراة تعليمية ، يخرج من باب الحافلة التى وصلت لتوها رجل فى الأربعينيات من العمر ، قوى البنية أسمر الوجنات ، حاد الملامح ، ثاقب النظرات ، أمرنا بكل حزم أن نصعد إلى مقاعدنا فورا كى يبدأ المسير .

القرية الأولمبية للشباب ، ربما اسم كبير ، لكن الحقيقة أنها قطعة فى جوف الصحراء ، فضاء كبير به عشرون خيمة يتوسطه العلم ، ويحيط به ثلاثة مبان ، مطبخ كبير ، وحمامات ، وقاعة فارغة ، ويبدوا أنها لم تطأها الأقدام منذ فصول ، وأكثر من مئتى طالب من المفترض أن يحويهم هذا المعسكر ، بمعدل 15 طالب فى كل خيمة ، والباقى فى المطبخ الواسع يحسدهم زملائهم لأنهم لا ينامون على مراتب خرجت أحشاؤها ، و فرشت بالرمال ، وبالطبع إن تقلبت يمينا تجد يد أحمد سمير ، وإن تقلبت يسارا تجد قدم محمد رفعت .

كان على سرية مدينة نصر أن تثبت جدارتها فى المعسكر ، لأنها هى بالذات ومعها مصر الجديدة محل سخرية باقى المعسكر ، على أساس أنهم شباب " بسكويت " ، حتى أن خيامهم كانت آخر الخيام المنصوبة ، ولكن التميز لم يكن له وجه واحد عند مدينة نصر ، وبالأخص عندى أنا ورفعت .

" قائد شاهين يا حبيب إحنا وراك مش هنسيب " .. " قائد شاهين يا حبيبنا يا مأكلنا عيش وجبنة " ، كانت هذه هى أول الشعارات التى افتتحت بها سريتنا طابور اليوم الأول ن وبالطبع تأليف محمد رفعت ، وبالطبع لم يستطع أحد أن يتصدر الهتاف بها ، فلا أحد يريد أن يمارس ( على الصبح ) تعذير القائد شاهين زحفا على الرمال ، ولكن واعجبا إذا ترى أسنان القائد شاهين تبتسم - لأول مرة - لرفعت فور ترديدنا لشعار السرية ، وينفجر المعسكر فى الضحك قبل أن تنطلق صافرة القائد معلنة الانضباط مرة أخرى ، ولكن بعد أن أصبحت سرية مدينة نصر لها دور مميز لا فى رفع علم الطبور ولا الزحف على الرمال ، ولكن فى أشياء أخرى ، وحتى إمامة الصلاة لا أعرف من الأخ الذى خدع قائد المعسكر وقال له أحمد ومحمد ، أحدهم للمغرب والآخر للعشاء .

كان مشرفو وزارة الشباب لا يكفون عن زيارة المعسكر والاطمئنان على أن الوجبات سليمة ( عيش وجبنة وعسل ) ، وبطاطس مسلوقة فى الغداء ، وأن الأوتاد مضروبة جيدا فى الرمال ، وأن المحاضرات الكشفية عن الشجاعة والانضباط والإخوة تسير بانتظام ، ولكن هذا الانتظام ( الروتينى ) لم يكن يعجب القائد شاهين ، فما كان منه إلا أن وجد أحد المشرفين فى مرة وقد حضر أثناء محاضرة المحافظة على الإخوة ، والرباط الكشفى ، فما أن سمعنا من خارج القاعة صراخ وعويل ، ولم يكن إلا صوت محمد رفعت فهروت نصف القاعة للخارج وتسمر النصف الآخر فى مكانه ، وبعدها بدقائق اكتشف الجميع أنها مجرد درس عملى من القائد شاهين فى مساعدة الزميل ، الذى كاد أن يأكله وحش مفترس خارج القاعة ، والحقيقة أن صوت صراخ رفعت كان يوحى بأن العنقاء ستختطفه ، لا أن ديبا ظهر له ، وفراسة ذلك الرجل - القائد شاهين - هى التى كشفت له عن أن رفعت هو الشخص القادر على تمثيل هذه الدور بإتقان حتى أرعب نصف المعسكر ، وعلى رأسهم مشرف وزارة الشباب بالطبع .

لكن كل هذا لم يكن مبررا لكى يحفر اسم محمد رفعت فى ذاكرة كل من حضروا هذا المعسكر ، وإن قابلتهم اليوم لا يكادون يتذكرون زملاء خيمتهم ، ولكن بالطبع يتذكرون محمد رفعت ، الذى جعلهم هكذا هو العرض المسرحى الذى قدمته سرية مدينة نصر فى آخر يوم من المعسكر ضمن الحفل الفنى الختامى ، حيث أخذنا نفكر فى عرض مسرحى نقدمه وكان أمامنا ساعة من الزمن كى نؤلف ونتدرب على نص قصير نقدمه قبل الرحيل مباشرة ، وكان الاقتراح " المطرقع " أن نمثل مشاهد ساخرة من أيام المعسكر ، وبطلها بالطبع هو القائد شاهين ، أو محمد رفعت .

مشاهد لا يمكن لأى شخص أن ينساها من المعسكر ، مشهد القائد شاهين وهو يلقى بهاتفه المحمول على الأرض ويدعوا كل قادة الفصائل ومن بعدهم الكشافة إلى إلقاء هواتفهم على الرمال ثم يصادرها لمدة أربعة أيام ، وكيف حوله رفعت فى مسرحيته إلى إلقاء لفرشة شعره على الأرض وطلبه من كل الممثلين أن يلقوا بفرشهم ويُمنع منعا باتا تسريح الشعر لمدة أربعة أيام ، موقف اعتراض القائد على زحف أحد المعسكِرين السىء ، وخلعه لفلنته وإلقاء جسده على الرمال ليريه كيف يكون الزحف ، وكيف حوله رفعت إلى مشهد ( يفطس من الضحك ) على طريقة محمد صبحى فى مسرحية تخاريف وهو يستعرض عضلاته ، قبل أن يرمى بجسده ويعوم فى بحر الرمال ، ثم يأمرنى بأن أخلع أنا الآخر ملابسى ( كأحد مساعديه فى العرض ) ويصر على ذلك كمشهد عادل إمام فى مسرحية الزعيم ، مشاهد ومشاهد ، أنست الناس ثلاثة أيام فى الصحراء .. الصحراء .. ويختفى اللون الأصفر ثانية .

يختفى اللون الأصفر بقرب وصولى إلى المطار ، أنزل من المكروباس وأتوجه مباشرة إلى قاعة الركاب ، لأجده ينتظر هناك وحيدا ، أحمد شلبى يودع القاهرة إلى السعودية بدون محمد رفعت ، أحمد شلبى أودعه اليوم منفردا ، وليس معى محمد رفعت ، سأعود هذه المرة وحيدا ، نعم سأعود وحيدا يا شلبى ، وأتمنى ألا أحضر لاستقبالك بعد شهر وحيدا أيضا ، أتمنى ذلك ، وأسفا لا أملك غير الأمانى تحدوها الذكريات .


نكمل فى الحلقات القادمة بإذن الله


مصيف - مظاهرة - جامعة - برنامج

- حـب - اعتقال - براءة